أحمد بن محمد المقري التلمساني
314
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
بجنابنا ، ليتيسر له من جهتنا القدوم ، ويتأتى له بإعانتنا الغرض المروم ، فبينما نحن ننظر في تتميم غرضه ، وإعانته على الوفاء الذي قام بمفترضه ، إذ اتصل بنا خبر قرقورتين من الأجفان التي استعنتم بها على الحركة ، والعزيمة المقترنة بالبركة ، حطت إحداهما بمرسى المنكّب والأخرى بمرسى المريّة ، في كنف العناية الإلهية ، فتلقينا من الواصلين فيها الأنباء المحققة بعد التباسها ، والأخبار التي يغني نصّها عن قياسها ، وتعرفنا ما كان من عزمكم على السفر ، وحركتكم المعروفة باليمن والظفر ، وأنكم استخرتم اللّه تعالى في اللحاق بالأوطان التي يؤمّن قدومكم خائفها ، ويؤلف طوائفها ويسكن راجفها ، ويصلح أحوالها ، ويسكن أهوالها ، وأنكم سبقتم حركتها بعشرة أيام مستظهرين بالعزم المبرور ، والسعد الموفور ، واليمن الرائق السفور ، والأسطول النصور ، فلا تسألوا عن انبعاث الآمال بعد سكونها ، ونهوض طيور الرجاء من وكونها « 1 » ، واستبشار الأمة المحمدية منكم بقرة عيونها ، وتحقق ظنونها ، وارتياح البلاد إلى دعوتكم التي ألبستها ملابس العدل والإحسان ، وقلدتها قلائد السير الحسان ، وما منها إلا من باح بما يخفيه من وجده ، وجهر بشكر اللّه تعالى وحمده ، وابتهل إليه في تيسير غرض مقامكم الشهير وتتميم قصده ، واستئناس نور سعده ، وكم مطل الانتظار بديون آمالها « 2 » ، والمطاولة من اعتلالها ، وأما نحن فلا تسألوا عمن استشعر دنوّ حبيبه ، بعد طول مغيبه ، إنما هو صدر راجعه فؤاده ، وطرف ألفه رقاده « 3 » ، وفكر ساعده مراده ، فلما بلغنا هذا الخبر بادرنا إلى إنجاز ما بذلنا لخديمكم المذكور من الوعد ، واغتنمنا ميقات هذا السعد ، ليصل سببه بأسبابكم ، ويسرع لحاقه بجنابكم ، فعنده خدم نرجو أن ييسر اللّه تعالى أسبابها ، ويفتح بنيتكم الصالحة أبوابها ، وقد شاهد من امتعاضنا لذلك المقام الذي ندين له بالتشيع الكريم الودد ، ونصل له على بعد المزار ونزوح « 4 » الأقطار سبب الاعتداد ، ما يغني عن القلم والمداد « 5 » ، وقد ألقينا إليه من ذلك كله ما يلقيه إلى مقامكم الرفيع العماد ، وكتبنا إلى من بالسواحل من ولاتنا نحدّ لهم ما يكون عليه عملهم في برّ من يرد عليهم « 6 » من جهة أبوّتكم الكريمة ، ذات الحقوق العظيمة والأيادي الحديثة والقديمة ، وهم يعملون في ذلك بحسب المراد ، وعلى شاكلة جميل الاعتقاد ، ويعلم
--> ( 1 ) الوكون : جمع وكن ، بفتح الواو وسكون الكاف ، وهو عش الطائر . ( 2 ) في ج « بديوان آملها » تحريف . ( 3 ) الرقاد : النوم . ( 4 ) في أصل ه « وتروح الأقطار بسبب الاعتداد » . ( 5 ) المداد : الحبر . ( 6 ) في ه « من يرد عليه » .